ابن قيم الجوزية
200
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
وذكر ابن الأعرابي قال : أكلت حية بيض مكّاء ، فجعل المكاء يصوّت ويطير على رأسها ، ويدنو منها حتى إذا فتحت فاها ، وهمت به ، ألقى حسكة ، فأخذت بحلقها حتى ماتت ، وأنشد أبو عمرو الشيباني في ذلك قول الأسدي : إن كنت أبصرتني عيلا ومصطلما * فربما قتل المكّاء ثعبانا « 1 » وهداية الحيوانات إلى مصالح معاشها كالبحر ، حدّث عنه ولا حرج ، ومن عجيب هدايتها أنّ الثعلب إذا امتلأ من البراغيث ، أخذ صوفة بفمه ، ثم عمد إلى ماء رقيق ، فنزل فيه قليلا قليلا حتى ترتفع البراغيث إلى الصوفة ، فيلقيها في الماء ويخرج . ومن عجيب أمره أن ذئبا أكل أولاده ، وكان للذئب أولاد ، وهناك زبية « 2 » . فعمد الثعلب وألقى نفسه فيها ، وحفر فيها سردابا يخرج منه ، ثم عمد إلى أولاد الذئب ، فقتلهم ، وجلس ناحية ينتظر الذئب ، فلما أقبل ، وعرف أنها فعلته ، هرب قدّامه وهو يتبعه ، فألقى نفسه في الزبية ثم خرج من السرداب ، فألقى الذئب نفسه وراءه ، فلم يجده ، ولم يطق الخروج ، فقتله أهل الناحية . ومن عجيب أمره أن رجلا كان معه دجاجتان ، فاختفى له « 3 » ، وخطف إحداهما ، وفر ، ثم أعمل فكره في أخذ الأخرى ، فتراءى : لصاحبها من بعيد ، وفي فمه شيء شبيه بالطائر ، وأطمعه في استعادتها ، بأن تركه وفرّ ، فظن الرجل أنها الدجاجة ، فأسرع نحوها ، وخالفه الثعلب إلى أختها ، فأخذها وذهب .
--> ( 1 ) مصطلما : مستأصلا ( أصبح منتهيا ، لشدة ضعفه ) . ( 2 ) زبية : حفرة تحتفر لصيد الأسد أو الذئب ، وتكون عادة في مكان مرتفع . اللسان . ( 3 ) أي : الثعلب .